بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنطقة الشمالية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المنطقة الشمالية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 7 سبتمبر 2017

المواقع السياحية والأثرية في المنطقة الشمالية






المنطقة الشمالية
يضم الشمال السوري محافظتي حلب وإدلب. ويحد هذه المنطقة من الغرب كل من محافظة اللاذقية ، ولواء اسكندرون، والأراضي التركية من الشمال، وأراضي محافظة الرقة من الشرق، ومحافظة حماه من الجنوب.
لا يقل الشمال السوري أهمية من الناحية السياحية عن المناطق الأخرى في سورية، بل يتقدّم بعدد من المعالم التاريخية البالغة الاهمية ، والتي تعد هدفاً رئيساً لكل زوار سورية.




محافظة حلب




محافظة إدلب




قلعة حلب




قلعة حلب




لمحة تاريخية
بُنيت فوق تلة (أكروبول) نصفها اصطناعي لرفعها عن مستوى المدينة. وتحتضن كثيراً من آثار العهود التي مرّت بها منذ أن كانت حلب مملكة عمورية واسمها يمحاض قبل الغزو الحثي في القرن 16ق.م.
أعاد بناء القلعة السلوقيون ثم الرومان. وزارها الإمبراطور الروماني جوليان، وحكمه كان بين 361م و363م، وقدّم أضحية للرب فيها. وكان البيزنطيون يرممون القلعة كلما تهدّم جزء منها أثناء الحروب. واعتاد السكان أن يلجؤوا إليها عند الخطر، كما فعلوا عام 540م حينما غزا كسرى الأول حلب ونجوا من القتل.

فتحها المسلمون عليها عام 636م بقيادة خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح بعد أن سيطروا على أحد أبوابها، وأسروا قائدها البيزنطي. وهناك قصة تروي أحداث احتلال القلعة: حينما التجأ حاكم حلب البيزنطي يوكينا، مع بعض السكان إلى القلعة، تطوّع عبد ضخم من الجزيرة العربية اسمه دامس أن يساعد على احتلالها فاتفق مع بعض من رفاقه على البقاء قرب القلعة بعد أن تظاهر الجيش العربي بالتراجع. وفي الليل وكان حالكاً، تسلّق دامس مع رفاقه منحدر القلعة، وهم مربوطون إلى بعضهم البعض، ومتخفون تحت جلود الماعز. وكان دامس يهز الحبل ليحذر رفاقه حينما يقترب منهم الحراس. ويقضم الخبز الجاف بصوت عال ليعتقد الحراس أن الماعز ترعى على منحدر تلة القلعة، وهكذا تسلقت المجموعة التل وأشعلوا ناراً لإعطاء جيش خالد بن الوليد الإشارة بوصولهم بعد أن فتحوا لهم الأبواب، فدخلوها ظافرين. وحينما وجد الحاكم البيزنطي يوكينا مع من لجأ معه أنفسهم معتقلين، اعتنقوا الدين الإسلامي وانضموا للفاتحين.

وفي القرن 10م أصبحت مقر سكن وحكم سيف الدولة الحمداني المزدهر. وبقيت القلعة تقاوم البيزنطيين ومن بعدهم الصليبيين، وظلت حصن المسلمين القوي في شمال سورية. وكذلك فعل بنو مرداس (1025-1079). وفي العهد السلجوقي زاد اهتمام نور الدين بالقلعة، وبنى فيها كثير من المباني، ورممها وبنى فيها قصراً ومسجداً وأصبحت مقراً لحكمه وإقامته. وجدّد حصونها وغطى سفح التل بالحجارة فبلغت أوج ازدهارها.


وفي عهد الأيوبيين وبعد اندحار الصليبيين أصبح الظاهر غازي بن صلاح الدين ملكاً على حلب. وحكمه كان حوالي 1193-1215م فاعتنى بالقلعة وابتنى قصراً واتخذها مركزاً لحكمه وسكنه. ثم غزاها المغول وعلى رأسهم هولاكو عام 1260م، واحتلها بعد حصار شهرين فخرّب أسوارها، ودمّر أبنيتها. ولكنها رُممت في عهد الأشرف خليل بن قلاوون عام 1292م. ثم دُمّرت ثانية على يد تيمورلنك عام 1400م. وجُددت أجزاء منها وشيّد السلطان الملك الناصر بن برقوق سورها وبنى قصراً فيها عام 1415م. كما رُممت أيام السلطان قانصوه الغوري آخر المماليك، ثم أهملت في زمن العثمانيين وأُصيبت بالدمار من زلزال 1828م. ورُممت بشكل بسيط عام 1882م حتى العهد السوري المستقل لترمم وتصبح مزاراً للسواح.



وصف القلعة:



ترتفع القلعة عن مستوى المدينة حوالي 33م فوق تل إهليلجي الشكل. يحيط بها سور حجري فيه 44 برجاً دفاعياً من أحجام مختلفة، طوله حوالي 900م وارتفاعه حوالي 12م، ودُعّم بأعمدة حجرية ثبتت بشكل عرضي بمسامير حديدية. حجارة السور الكبيرة تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي، والوسطى من العهد الأيوبي، أما الصغيرة فمن العهد المملوكي.
رُصف ثلثي المنحدر بالأحجار ليصعب تسلقها ولحمايتها من التآكل بسبب مياه الخندق المحيطة بها، والخندق عرضه 32م وعمقه 22م فيكون مجموع ارتفاع القلعة عن أرض الخندق حوالي 55م، وكانت المياه تأتيه من نبع حيلان.

باب القلعة:
باب القلعة يقود إلى برج متقدم، مستطيل الشكل، ارتفاعه حوالي 20م، بُني في عام 1211م ورُمم فيما بعد. والباب حديدي، عليه كتابة تؤرخ صنعه في عهد الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي بالقرن 12م. وعلى مدخل البناء كتابة تؤرخ عهد السلطان قانصوه الغوري 1507م أيام الوالي أبرك الأشرفي السيفي. وتحت الكتابة يوجد نقش الحلية المعمارية المعروفة بالصنج المزرّرة وفوقها سقّاطة. في الجدار المقابل من البرج يوجد باب حديدي آخر يقود إلى الجسر الحجري، سابقاً كان جسراً خشبياً متحركاً استبدله الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي بهذا الجسر الذي أُقيم فوق قواعد لها ثمانية قناطر.

في نهاية الدرج فسحة، في صدرها جدار، هي مصيدة للعدو لأن فيها مرامي للسهام، وفتحات بارزة لسكب السوائل المغلية عليه. والمدخل الرئيسي يقع في الجهة اليمنى بشكل غير مرئي من بعيد. وهو مخل القلعة الداخلي، وله باب مصفح بالحديد، تُزينه حدوات أحصنة وشرائط أفقية مثبتة بالمسامير. ويدعى هذا الباب بباب الحيّات لوجود نقش ثعبانين متعانقين لهما أربعة رؤوس في أعلاه. الحيات والأسود ترمز للقوة وترعب العدو وتؤثر على معنوياته. يُفتح الباب على بهو برج فيه ثلاث ردهات والباب السري الذي يقود إلى قاعة العرش. لكل واحدة من الردهات عدد من مرامي السهام. على الجدار الأيمن للمدخل توجد كتابة تعلن انتصار الجيوش العربية على الأرمن والتتار والصليبيين.
ثم يأتي الباب الثاني من القرن 13، نُقش فوقه أسدان بينهما شجرة نخيل، والباب حديدي عليه مسامير كبيرة، ثم بهو فيه مقام الخضر. ثم يأتي الباب الثالث الذي يقود إلى الممرات السرية. ثم الباب الرابع، ويعلوه من الجانبين نقش أسدين أحدهما ضاحك والآخر باكي. وهو من العام 606هـ/1210م فوقه كتابة أيوبية من عهد الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين. وعلى جانبي الممر توجد مهاجع للجنود.

يبدأ الشارع الرئيسي الذي يخترق القلعة من الشمال إلى الجنوب، وهو مجدد وضيق. على اليسار يوجد قصر وحمّام من القرن 12م بناه نور الدين زنكي. وإلى اليمين حوانيت ومستودع كبير تحت الأرض قسمه الأسفل حفر في الصخر أطواله 17.5×16.5م وارتفاعه 20م وبقية الحائط من الآجر، وله أربع فتحات للنور والتهوية. ويستند السقف على دعائم حجرية ذات قناطر قرميدية من العهد البيزنطي تقسّمه إلى ثلاثة أقسام. وكان خزاناً للماء، أو كان مخزناً للحبوب والمؤن وعلف الحيوانات. أما قسمه الداخلي وهو حفرة فكان سجناً في عهد البيزنطيين في القرن 6م. ثم استعمله الفرنسيون فيما بعد لنفس الغرض. ويُنزل إليه بدرج حديدي حديث.
مسجد إبراهيم الخليل:
ويقع على يسار الشارع وهو مسجد صغير كان سابقاً كنيسة بيزنطية ثم أصبح مقاماً لإبراهيم الخليل. وتقول الأسطورة أن فيه صخرة كان النبي إبراهيم يجلس عليها ليحلب بقرته الشهباء. جدّده نور الدين زنكي وكان يُصلي به. وتوجد لوحة مرمرية فوق باب الجامع تؤرخ البناء من عهد نور الدين زنكي في عام 575هـ/1167م. في باحته غرف وبئر. وعلى جانبي المدخل كتابة وفي داخل المصلى عمودان، الأيمن بيزنطي والأيسر عربي. كان فيه محراب كسوته خشبية بديعة يشبه محراب المدرسة الحلوية أخذه الفرنسيون عام 1922م. تعلو المصلى قبة ونوافذ للإنارة وفيه أربعة كتبيات، ويوجد فيه إفريز، تزخرفه كتابة عربية.
بُني في الجامع صهريج لتخزين الماء لمدة عام كما أوقف له وقف خارج حلب. ويوجد باب كتب عليه قناة حيلان التي كانت تموّن القلعة بالماء. وقرية حيلان تقع شمال حلب. تعود هذه القناة إلى عهد الرومان أو البيزنطين. جدّدها عبد الملك بن مروان. وفي عهد نور الدين زنكي أخذ منها فرعاً للجامع الكبير وإلى الخشابين والرحبة الكبيرة داخل باب قنسرين. وفي عام 506هـ أمر الملك الظاهر غازي بتنظيف مجراها، وساهم هو نفسه مع الأمراء بذلك. وحينما احتل المغول قلعة حلب خرّبوها وأحرقوا هذا المسجد.
يوجد مقابل المسجد معبدٌ سوري-حثي هو معبد الشمس ويعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وُجد فيه نصب بازلتي عليه نحت نافر لشخصين مجنحين، يعلوهما قرص الشمس داخل هلال القمر، من القرن 9ق.م معاصر لمعبد عين دارا، وله نسخة جصية في متحف القلعة.


الجامع الكبير:

أيوبي من القرن 13. كان كنيسة ثم صار جامعاً أيام المرداسيين. جدده الملك نور الدين زنكي. ولكنه احترق ثم أعاد بناءه الملك الظاهر الغازي بن صلاح الدين بعد أن احترق ثانية عام 609هـ/1210م. وعلى بابه كتابة تؤرخ البناء والباني الغازي بن صلاح الدين عام 610هـ/1211م. وهو مربّع الشكل له باحة تُفتح عليها غرف للطلبة. وللمصلى ثلاثة مداخل وقبة ومحرابين ونوافذ للإضاءة. مئذنته من العام 1214م مربعة الشكل ارتفاعها 20م تشبه مئذنة جامع الدبّاغة في حلب. لها سلم داخلي فيه 78 درجة. ولأنها عالية كانت تستعمل للمراقبة والآذان معاً. قسم من حائط المسجد مع المئذنة سليم، أما الباقي فهو ترميم حسب الأصل.

ثكنة إبراهيم باشا:
دام حكمه بين 1830 و1833 وهو ابن محمد علي الكبير والي مصر. شُيدت الثكنة عام 1834م من الحجارة التي كانت تغطي منحدر القلعة.
قرب الثكنة يوجد بئر الملك الظاهر غازي، وطاحونة هواء، ومن الشرفة المجاورة للثكنة يمكن رؤية البرج الشمالي المملوكي. ومنظر عام لمدينة حلب.
مستودعات القلعة:
حُفرت بالصخر، يُنزل إليها بواسطة درج. ارتفاع المستودعات فيها 20م وطولها 7.5م وعرضها 16.5م. سقفها يعتمد على دعائم أربعة ضخمة. قسّمت المكان إلى ثلاثة أقسام. أوسطها مربع الشكل.
المسرح:
هو بناء حديث، بُني حسب الطراز الروماني عام 1980 يتسع لـ 3000 متفرج. تقام فيه مهرجانات واحتفالات دائماً.
القصر الملكي:

أيوبي من القرن 13 أي 1228م بناه يوسف الثاني بن السلطان الظاهر غازي بن صلاح الدين، وشيّده بالحجارة السوداء والصفراء على شكل مداميك. له باب كبير تعلوه مقرنصات وعناصر زخرفية. أرضه مبلطة بالرخام والمرمر والحجارة الصقيلة باللونين الأسود والأصفر. تتوسط باحته السماوية بركة. وفي جداره الشمالي يوجد سبيل ماء. كان في القصر أربعون غرفة مكسوة بالمرمر والموزاييك. وتُزينه المقرنصات على شكل خلايا النحل مرصعة بالمرمر الأبيض.
وفي الطريق نحو قاعة العرش توجد أبنية عديدة. إلى اليسار بناء يعرف باسم بيت الطواشي وهو مدير القصر ورئيس الخدم، من القرن 13م. ثم تأتي فسحة فيها كتابة، ودرج يؤدي إلى ممرات الحراسة فوق مدخل قاعة العرش.
قاعة العرش:
مملوكية؛ بُنيت بعد الدمار الذي حل بالقلعة على يد المغول عام 1400م. جددها قايتباي في القرن 16م. ورُممت عدة مرات فيما بعد، آخرها كان عام 1973م.
بُنيت فوق برج مدخل القلعة الرئيسي، ويُنزل إليها بواسطة 7 درجات. أرضية القاعة رخامية ذات أشكال مختلفة أُخذت من بيوت حلبية قديمة أطوالها 26.5×23.5م.
في منتصف القاعة بحرة ماء أيوبية. كانت جدران القاعة مغطاة بالفريسكو، وفي أعلى كل جدار نافذتان، حالياً الجدران والأعمدة مغطاة بالخشب المحفور والملون إلى ارتفاع معين. فيها نافذة كبيرة تُطل على المدينة وعلى مدخل القلعة. أما النوافذ الأخرى وعددها عشرة، ثلاثة على كل جانب من النافذة الكبيرة، واثنتان في كل حائط جانبي.
سقفها خشبي محفور ومدهون ومزين بزخارف نباتية، يرتكز على أربعة دعائم. وهو مقسّم إلى أقسام ثلاثة أُخذت أجزاؤه من دور دمشقية، وتعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر. يفصل بين السقوف جسور أطوالها تتراوح بين سبعة وعشرة أمتار قطرها 75سم. تتدلى منها زوايا رائعة الزخرفة، والسقف زخرفته من الخط العربي. وفيها أربع وعشرون نافذة جصية تُزينها زخارف نباتية وزجاج ملون. يتدلى من السقف 10 ثريات خشبية يزينها الخط العربي والحشوات الفاطمية. إحداها عبارة عن حجرات كبيرة تتدلى من منتصف القبة.
في قاعة العرش درج سري يقود إلى قاعة الدفاع الكبرى، وينتهي عند الباب الثالث. وفيها فتحات لسكب السوائل المغلية على العدو. وكوات لرمي السهام. وهذه القاعة تتحكم بمدخل القلعة الرئيسي. كما تُشرف على باب الحيات وباب الأسود.
الحمّام:
بُني الحمّام مع بناء القصر أي في القرن 13م. في باحته الخارجية سبيل ماء. ويتألف من 9 حجرات. في البراني مصاطب للراحة، تحتها تجاويف صغيرة لوضع الأحذية، وكان فيه بحرة ماء. والجواني فيه مقاصير وأجران ماء.
وقباب السقف مغطاة بقمريات زجاجية للإنارة. وأبواب الحمّام منخفضة لحفظ الحرارة. وقد جُهز الحمّام بأنابيب فخارية للمياه الباردة والحارة.
الأبراج:
1- برج السور الشمالي:
يتصل بثكنة إبراهيم باشا بواسطة درج. وهو بارز عن السور ويعود إلى عام 1472م.
2- برج السفح الشمالي:
يقع على سفح المنحدر خارج سور القلعة. فيه ممر يقود إلى البرج البارز الشمالي. بُني عام 1408م.
3- برج السفح الجنوبي:
بُني عام 1406م، ورُمم عام 1508. يقع خارج السور على سفح المنحدر مقابل برج السفح الشمالي. يقع بابه في الجهة الشمالية. للبرج عدة طبقات، فيها فتحات مستطيلة وعريضة، في الطبقة السفلى ممر تحت الأرض، يتصل بدرجٍ ينحدر من القلعة إلى المدينة. وكان هناك جسر متحرك يوصله بالقلعة.
يوجد في القلعة خمسة صهاريج لجمع مياه المطر تأتيها عبر قنوات أرضية. كما يوجد فيها عدد من الآبار، منها: واحد في قاعة الدفاع الأولى عند الباب الثالث، وآخر مياهه مالحة. وبئر الملك الظاهر غازي قرب ثكنة إبراهيم باشا.
يوجد في القلعة باب الجبيل ويقع شرق باب القلعة. بُني عام 1214، كان له درج ينحدر إلى دار الحكومة حالياً دار العدل سابقاً مجتازاً الخندق. وكان الملك الظاهر غازي يستعمله وهو في طريقه إلى دار العدل.
وهناك باب السر الذي يؤدي إلى باب الأربعين قرب حمّام السلطان.
وفي القلعة سراديب تتصل بأحياء المدينة، من خلالها كان السكان يلجؤون إلى القلعة عند الخطر.

الجامع الأموي في حلب




الجامع الأموي الكبير في حلب


وهو أكبر جوامع حلب



بناه الوليد بن عبد الملك عام 715م وأكمله أخوه الخليفة سليمان بن عبد الملك. كان قبلاً حديقة لكاتدرائية القديسة هيلانة حالياً. والكاتدرائية بدورها شُيّدت فوق الساحة الرئيسية (آغورا) من العهد اليوناني-الروماني. واستعملت مواداً من كنيسة قورش الشهيرة. ولكن العباسيين نقلوا أهم زخارفه إلى جامع الأنبار في العراق عند تخريبهم آثار الأمويين. 
أحرق نيكفور فوكاس البيزنطي الجامع عام 351هـ/1262م حينما أحرق حلب. ولكنه رُممّ وجُدّد بين عامي 1090-1092 في عهد تتش أول سلطان سلجوقي، كما بنى له مئذنة. ثم احترق عام 564هـ/1196م فجدده نور الدين زنكي بشكل مبسّط وترك المئذنة على حالها.
وعانى الجامع من الحرائق والحروب، وقام السلاطين السلاجقة والمماليك والعثمانيون بترميمه وبإضافات عديدة إليه.
مساحته تماثل مساحة الجامع الأموي في دمشق. ولكن بعد سلسلة الحرائق، والترميمات التي خضع لها لم يبقَ الكثير من فخامته السابقة.
أبعاد صحن المسجد 47×79م. والحرم محمول على 80 عضادة موزّعة على أربعة صفوف. وللمسجد أربعة مداخل واحد في كل جهة، ومحراب الجامع من الحجر الأصفر، بسيط ولكنه جميل. والمنبر الحالي مملوكي من عهد السلطان محمد من القرن 14م. وهو من خشب الأبنوس، زخرف بقطع من العاج، وبلاط الجامع الحالي من عهد العثمانيين (1613م).
في أيام الملك الظاهر بيبرس كان المحراب الأصفر للحنابلة، والمحراب الكبير للشافعية، والمحراب الغربي للحنفية، وأما الشرقي فكان للمالكية. إلى جانب المحراب يوجد ضريح النبي زكريا والد النبي يحيى وله حاجز نحاسي وسُمي المسجد باسمه.

تقع المئذنة السلجوقية، وهي من القرن 11، في الجهة الشمالية، ارتفاعها 54م وهي مربعة الشكل. وتُعتبر خير مثال لهندسة العصور الوسطى السورية، وأول الأبنية ذات الهندسة الإسلامية التي تطورت في العهدين الأيوبي والمملوكي في القرنين التاليين.
قُسّمت واجهة المئذنة إلى أربعة أقسام، لكل واحد منها زخرفة مغايرة ولكنها منسجمة مع الأخريات، تفصل بينها نطاقات من الكتابة الكوفية، وهي من أقدم الكتابات. أما القسم الأعلى من المئذنة ففيه محاريب ومقرنصات وشرفة المؤذن الخشبية.
جُددت المئذنة الحالية أيام السلطان السلجوقي ملكشاه بن ألب أرسلان عام 482هـ/1089م. وتُؤرخ هذا البناء كتابة موزعة على أحزمة طوابق المئذنة، كما تذكر الكتابة اسم المعماري. والقسم العلوي من المئذنة رممه السلطان تتش الذي خلف أخيه ملكشاه بن ألب أرسلان سنة 487هـ/1094م.


مملكة إيبلا



إيبلا، المملكةُ المفقودةُ التي غيّرت تاريخَ العالم




 


القائمةُ المؤقتةُ للائحةِ التراثِ العالميِّ هي قائمةٌ أوليّةٌ يقومُ فيها البلدُ المعنيّ بجردِ وتحديدِ كافّةِ المواقعِ الطبيعيّةِ والثقافيّةِ الهامّةِ الموجودةِ داخلَ حدودِه، ومن ثمّ تحديدِ الخصائصَ التي يمتلكها كلُّ موقعٍ، وذلك للنظر في ترشيح الموقع لإدراجِه على لائحةِ التراث العالميّ. وبهذا فإن سوريّة قامت بتحديدِ قائمةٍ أوليةٍ مؤلفةٍ من 12 موقع، وأولى هذه المواقع التي سنتحدّث عنها هي إيبلا.
إيبلا هي مملكةٌ سوريةٌ قديمةٌ قامت في تلِّ مرديخ وتبعُد عن حلب حوالي 55 كم. ازدهرت في منتصف الألفِ الثالثِ قبلَ الميلاد وامتدّت المناطقُ التي كانت تحكمُها من الفرات شرقاً وحتى سواحل المتوسط غرباً، ومن طوروس شمالاً وحتى حماه جنوباً. أمّا نشاطُها التجاريّ فقد امتدّ إلى أكثرَ من ذلك بكثير.
عَرفت إيبلا نظامَ حكمٍ انفصلت فيه السّلطة الدينيّة عن المدنية، وكان الملكُ هو رأس الدولة. وإلى جانب الملك كان مجلسُ (الآبا) ويعادلُ مجلسَ الشيوخِ وكانت مهمّتَه مراقبةُ ممارساتِ الملك للسّلطة. ويلي الملك في المرتبة مسؤولاً يُدعى (لوغال) أو حاكم المقاطعة، وتذكرُ النصوصُ أربعةَ عشرَ حاكماً وهذا يعني أنّ إيبلا كانت مقسّمةً إلى أربعَ عشرة مقاطعة.
أمّا من الناحيةِ الدينيّة فقد اتّصفت إيبلا بصفتين، وهما تعدّدُ الآلهة وسيادةُ الآلهةِ الكنعانيّةِ في مجمَع الآلهة. فقد عَبدَ سكانُّها آلهةً مختلفةً ذكوراً وإناثاً ومنها: نيداكول ودجن وإله الشمس وككاب إله النجم ورشف إله الطاعون والعالم السفلي وأشتار وعشتارت وليم وأدا (حدد) إله الطقس، إضافةً إلى الآلهة السومرية والحوريًة مثل: أنكي ونينكي وأشتابي وخبات. كما قدّسوا الأسلافَ والملوك.
فقدت إيبلا مكانتَها واستقلالَها مع ماري وكيش وخضعت لأسرةِ شاروكين الأكّادي على يدِ الملك نارام سين، وكان ذلك بعد أن أحرقَ المدينةَ بالكامل حوالي عام 2250 ق.م.

ذُكِرت إيبلا في وثائقَ مسماريّة تعود إلى عصرِ سرجون الأول مؤسّسُ الامبراطورية الأكادية، كما ذُكِرت بوثائقَ تعودُ لعصرِ حفيدِه نارام سين. كما ورد ذكرُها في نصوصِ سلالةِ أور الثالثةِ وذُكرت في نصوص تعود للعصرِ الآشوريّ القديم. إلا أنّه و حتى القرن العشرين لم يتمّ معرفةُ مكانِ إيبلا التي تمّ ذكرُها في العديد من هذه النصوص والوثائق. وفي عام 1955 في موقع تل مرديخ عثر فلاحٌ بمحراثِه صدفةً على جزءٍ من حوضٍ منحوتٍ ومزيّنٍ بأشكالٍ نافرة، زُيِّن جانبٌ منه برجالٍ ملتحين والآخرُ بسباعٍ فاغرة. وفي عام 1964 بدأت بعثةٌ إيطاليةٌ بإدارةِ (بالو ماتييه) أعمالَ التنقيبِ في هذا التلِّ ولم يتأكّد أنّ الموقعَ هو نفسُه إيبلا القديمة وبقيت هذه المملكةُ مجهولةٌ إلى عام 1968 عندما عُثِر على جذعِ تمثالٍ نذريٍّ من الحجر البازلتيّ يحمل نقشاً أكّادياُ مؤلفٍ من 26 سطراً، وتذكُرُ الكتابةُ بأنّ التمثالَ هو هبةٌ من ملك (إيبلا) (إيبيت ليم) من (أجرش حيبا) لمعبد (عشتار) في مدينة (إيبلا)، وبذكرِ اسمِ إيبلا مرتين في النقش تم التأكُّد من أنّ موقعَ تلِّ مرديخ يضمُّ مملكةَ إيبلا القديمة.
وصلت مساحةُ إيبلا في أوجِ قوّةِ المدينة السياسيّة إلى 50 هكتاراً. شكلُ المدينةِ شبهُ منحرفٍ تقريباً وكانت تتألفُ من أربعِ أحياءَ أُحيطت بسورٍ منيعٍ بُنيَ بحجارةٍ كبيرةٍ غيرَ منحوتةٍ ومحصنٍ بأبراجَ مربعةٍ بارزةٍ وتتخللُ السورَ أربعةُ بوابات.
يتألف الموقع من مدينةٍ منخفضةٍ ومدينةٍ مرتفعةٍ (الأكروبول)، بُنيت مساكنُ المدينةِ المنخفضةِ البسيطةِ باللِّبْن بدون أساساتٍ حجريةٍ وربما ضمّت أيضاً معابدَ. أما الأكروبول فهو مركزُ المدينةِ ويتألفُ من صخورٍ كلسية بُنيت فوقَها المعابدُ والقصورُ ويفصلهُا عن المدينة شارعٌ عريض.




أهمُّ الاكتشافاتِ كانت مكتبةُ القصرِ الملكيّ التي احترقت حين غزاها الملكُ الأكادي نارام سين، وبالنار التي كانت دماراً للمدينة شُويَت الرُّقَمُ الطينيّةُ وأصبحت مقاومِةً للعواملِ الجوية، وبفضلِها تعرّفنا على حقبةٍ غامضةٍ من الزمن تمتدّ بين عامَي 2400 و2250 ق.م. وكانت الرُّقَمُ المكتوبةُ بالأحرف المسمارية، ليست سومريةً ولا أكادية ولا أي لغةٍ معروفة، وبعد الدراسة والمقارنة وُجِد أنّها لغةٌ جديدةٌ خاصّةٌ بمملكةِ إيبلا. واتّضحَ أنّها أقدمُ من رُقْمِ ماري بـ 400 سنة ومن رقم أوغاريت بـ 1000 سنة.
والمكتبةُ ذاتُ أرشيفٍ منظمٍ ومنسّقٍ بشكلٍ جيّد وبلغ تعدادُ الرُّقمِ الموجودةِ فيها حوالي سبعةَ عشر ألف وخمسمائة رُقيمٍ وكِسرةٍ طينية مكتوبة باللغة الإيبلائية. كان كلُّ رفٍّ مخصصٍ لموضوعٍ وتتراوح أحجامُ الألواحُ ومساحتُها وشكلُها. وشكلُ اللوح يوحي بمضمونه، فالصلوات والأدعية كانت على ألواحٍ مستديرة صغيرة، والأساطير على ألواح مستطيلة، والوثائقُ التاريخية على ألواح متوسطة ومستديرة أو مربعة مع زوايا مستديرة.
كما وجد الباحثون أنّ سجلّات المكتبة تحتوي على مواضيعَ سياسيةٍ وثقافيةٍ واقتصاديةٍ وقانونيةٍ وفنيةٍ وعلميةٍ ودينيةٍ ونصوصٍ إدارية. وتقاريرَ عن تصديرِ كمياتٍ من الأثاثِ والمعادنِ والنُّسج واللازورد، وقوائمَ بأسماء أشخاص فُرضت عليهم ضرائب.
إضافةً إلى نصوصٍ لغويةٍ ومعلوماتٍ عن الطيورِ والأسماكِ وأسماءَ مدنٍ وشخصياتٍ ونصوصٍ تشريعية ٍ وتاريخيةٍ وأوامرَ ملكيةٍ ومراسيمَ وكتبٍ رسميةٍ ووثائقَ زواج. بالإضافة لفهارسَ لتعليم اللغة السومرية الأكادية ونصوصِ قواعد لغوية تشبه المعاجم، وبذلك يكونُ أقدمُ قاموسٍ لأكثرَ من لغتين عُثر عليه في إيبلا.
وتعتبر قوانين حمورابي أقدم القوانين إلا أنّ قوانين إيبلا المشابهة لها وُضعت قبلها. كما اكتُشف في إيبلا قصيدةً تعود إلى عام 2400 ق.م وهي أقدم من قصيدة بلاد الرافدين التي تعود إلى عام 2200 ق.م.

  

اعتقد العلماءُ سابقاً بأنّ أهمّ الحضارات التي كانت في الألف الثالثة قبل الميلاد هي حضارةُ مابين النهرين وحضارةُ وادي النيل، ولكنّ اكتشافَ إيبلا بدّل هذه النظريةَ وذلك لأنها لا تقلُّ أهميةً عن تلك الحضارتين. وفي عام 1999 ميلادي تمّ ترشيحُ هذا الموقعَ الهامَّ لوضعِه ضمنَ لائحةِ التراثِ العالميِّ بعد أن تمّ تقديم ملفٍ كاملٍ يدرس هذا الموقع ويظهر القيمة العالمية الاستثنائية له.

قلعة القديس سمعان العمودي






قلعة سمعان العمودي


فيلم وثائقي عن قلعة سمعان :



تقع قلعة سمعان فوق بناء صخري ارتفاعه 564 م. عن سطح البحر شمال غربي مدينة حلب بـ 25 كم. وتقع بالقرب منها قرية صغيرة مأهولة بالسكان تدعى “دير سمعان” وقد ارتبطت حياة هذه القرية لفترة من الزمن فيما مضى من الناحيتين الاقتصادية والتاريخية بقلعة سمعان.


ويبدو أنها كانت قائمة قبل قيام قلعة سمعان في العصر البيزنطي حيث كانت تسمى “تيلانيسوس” Tilanisus. إن الحديث عن قلعة سمعان يفرض علينا الحديث عن الرجل الذي أعطى اسمه لهذه القلعة التي أصبحت تعرف في الكتب والمراجع بـ قلعة سمعان.
ففي السنة 423 م اعتلى رجل في الرابعة والثلاثين من عمره، صخرة أصلها في الأرض ونحت ما منها فوق الأرض على شكل مربع، لم ينزل الرجل من الصخرة في الغد ولا في اليوم الذي بعده، بل قضى 37 سنة في أعلاها وهو يصوم ويصلي رافعاً يديه إلى السماء ووجهه يتهلل ويشع نوراً.
فأقبل الناس عليه من قريب وبعيد، ليروه ويسمعوا كلامه الذي نفذ إلى اعماق قلوبهم كأنه صوت السماء تحدثهم لا صوت إنسان ضعيف مثلهم. فتضايق الرجل وطلب أن يرفع فوق الصخرة عمود طوله عدة أمتار، فصعد إليه ليتابع صومه وصلاته في خشوع الجبل وسكون الطبيعة، وفي ظنه أنه سيكون بمنجاة من ازدحام الناس عليه، ولكنه كلما ارتفع في الجو ازداد الإقبال عليه، فأضاف مرة أولى ثم مرة أخرى اسطوانة إلى العمود فوق الصخرة، حتى بلغ الإرتفاع كله 16 م. 4 ¬ 7 ¬ 11 ¬ 16 (بالتدريج).
ومن حسن الحظ أنه لدينا مراجع تاريخية جديرة بالثقة التامة، كتبها شهود عيان وأولهم “ثيودورطس” الذي كان من أحسن أهل عصره ثقافة، ولد سنة 393 م أي بعد سمعان بـ 4 سنوات في مدينة أنطاكية التي لا تبعد عن جبل سمعان أكثر من 50 كم.
ولد سمعان في سنة 389 م في قرية “سيس” أو سيسان من قرى كيليكيا. رزق أبو سمعان عدة أولاد، فلم يعش سواه وصبي آخر اسمه “شمشي” صار هو أيضاً راهباً ومات قبله بوقت كثير.
وكان أبواه صالحين فقدماه للعماد وهو طفل صغير في المهد. زعم أنه كانا على شيء من اليسر، فقد علماه رعاية المواشي من غير أن يعلماه شيئاً من القراءة والكتابة.
وتكلم السريانية وهي لغة وطنه ولهجة من اللغة الآرامية لغة السيد المسيح، وألم باليونانية لما دخل الرهبانية فضلاً عن أن هذه اللغة كانت منتشرة في تلك الأيام في بلاد الشرق كونها اللغة الرسمية للدولة.
انضم سمعان إلى جماعة من النساك في الجوار، وأقام معهم عامين 402+401 م. ثم رغب في زيادة من الفضيلة، فمضى إلى قرية “تلعدي” سنة 403 م. أو Hiliodorus ويقال لها الآن تلعادي وكلمة تلعدا تعني تل العدو أي الركض، حيث تربض القرية في أسفل جبل الشيخ بركات.
إن البطل في التقوى سمعان، قضى عشرة أعوام في الكفاح 413 – 403 م وكان يكافح معه ثمانون (من الرهبان) فكان يفوقهم جميعاً وكان هؤلاء يتناولون الطعام بعد انقضاء يومين، أما هو فكان يبقى الأسبوع كله من غير أن يأكل شيئاً، فاستاء الرؤساء منه. ولم يكفوا عن محاربته، وهم يقولون له إن تصرفه مخالف للنظام، فلم يستطيعوا إقناعه بكلامهم، فدعوه إلى مغادرة الدير لئلا يكون سبب الهلاك لأناس أضعف منه بنية يحاولون القيام بما يفوق طاقتهم. بعد ذلك مضى إلى قرية “تل نيشين” ومعناه تل النساء وحرفه الذين كتبوا باليونانية فقالوا Tilanisus وأهمل الناس بعدئذ ذلك الإسم وقالوا “دير سمعان” إكراماً للناسك القديس الذي مضى هنالك ثلاث سنوات وفي كل سنة كان يبقى أربعين يوماً من غير طعام فكان ذلك الصوم الكبير. فلفت انتباه الناس له مما أثار حفيظة رؤوسائه، فقرروا عدم صلاحيته لحياة الدير، وطلبوا منه مغادرته إلى مكان آخر وكان ذلك عام 416 م.
عاش بعد ذلك في كهف صغير قريب وسرعان ما انتشرت أنباء حياة القديس سمعان القاسية، فأقبل الناس عليه للتبرك وطلب آخرون الشفاء للمرضى والتمس غيرهم أن يصيروا آباء..
وهكذا أقبل الناس من كل مكان حتى صار كل طريق أشبه بنهر من البشر، فجاءه الناس من الشرق ومن أقصى الغرب من اسبانيا وبريطانيا وفرنسا، أما الإيطاليون فلا حاجة لذكرهم، فقد أصبح سمعان مشهوراً جداً في روما العظمى، حتى أن صوراً صغيرة نصبت على عمود في مدخل جميع الحوانيت لينالوا به هناك حراسة لهم ووقاية وبركة.
اشتهر القديس سمعان بشفاء المرضى كما اشتهر بأنه مستجاب الدعاء، ويقال بأن أحد الملوك كانت له ابنة مرضت بالجزام فأفردها أبوها في الجبل الذي تقوم عليه قلعة سمعان فمر عليها سمعان وطلب منها أن تسقيه ماء فأخرجت له الماء وسترت وجهها. وعندما سألها عن سبب ذلك أجابته “إن بي مرض” فشرب من الماء الذي قدمته له ورش على وجهها بعضاً منه فبرئت من المرض.
وهناك أمثلة أكثر من أن تحصى عن معجزاته في شفاء المقعدين والمرضى ولكن سمعان أمر بذلك على مثال الرب الذي دعا المقعد إلى أن يحمل سريره (متى 6/9) ولكن لا يقولن أحد أن هذا التمثيل هو انتحال السلطة. ولكن الرب هو الذي أجرى هذه الأعاجيب على يد عباده.
قلنا أنه عندما أقبل الناس عليه تضايق منهم وابتنى لنفسه عموداً فوقه بقية حياته وظل على حياة التقشف حتى أدركته الوفاة يوم الأحد في 26 تموز 459 م. وهو في الواحد والسبعين من عمره. بعدما قضى 37 عاماً أي أكثر من نصف حياته فوق العمود، يعاني الحر الشديد في الصيف والبرد القارس في الشتاء ولا يتناول من الطعام إلا القليل مرة في الأسبوع ويصوم أربعين يوماً كل سنة من غير أن يتناول طعاماً.
روى أنطونيوس تلميذه وخادمه طوال فترة إقامته على العمود، أنه عندما رأى القديس ميتاً لم يخبر أحد بالأمر، دفعا للبلبلة، بل بعث رسولاً إلى مطران أنطاكية “مرطيريوس” فحضر في اليوم التالي رئيس حرسه “أربادوريوس” على رأس 600 جندي. وضع الجثمان على مذبح من الرخام تجاه العمود، فقبل الميت جميع الأساقفة الذين حضروا. ثم اتجهوا به إلى إنطاكية ولم يصلها الموكب إلا في آخر الأسبوع حيث دفن في كنيسة قسطنطين الكبير.
لقد كان القديس سمعان العمودي الكبير من بين شخصيات العصر البيزنطي الدينية الهامة. فلقد كان يتمتع بنفوذ عالمي ساعده على ترسيخ ذلك النفوذ أتباعه من بعده. كما أن المسيحين الأرثوذكس يعتبرون يوم وفاته في 459/7/26 ويوم دفنه في 1 أيلول من نفس العام عيدين دينيين من أعيادهم.
وخير الكلام عن سمعان العمودي ما كتبته القديسة “تريزيا دافيلا” في القرن السادس عشر، ما يعبر أحسن تعبير عن شعار سمعان ذلك الشعار الذي لم يكتبه لأنه كان أمياً، بل حققه بحياته كلها:
“ليمت فيّ ذلك الأنا، وليحي في آخر هو أكبر مني أنا، وهو عندي خير من أنا، لكي أستطيع أن أخدمه. فليحي ويعطيني الحياة، وليكن سيدي ولأكن أسيره. إن نفسي لا تريد حرية غير هذه الحرية، وكيف يكون حراً من كان غريباً عن العلي! إن الحب أقوى من الموت وقاس “مثل جهنم”.
بذلك يكون القديس سمعان قد عبد الطريق أمام أسلوب جديد في العبادة فوق الأعمدة، قلده فيها كثير من الرهبان الذين أتوا بعده كالقديس “دانيال العمودي” (493-409) م في القسطنطينية. والقديس سمعان العمودي الملقب بالشاب (592-517) م على جبل بالقرب من أنطاكية. والقديس “اليبيوس البفلغوني” القرن السابع الميلادي والقديس “لوقا” 979-879 م في خلقيدونيا. والقديس اليعازر (1054-968) م على جبل جاليزيوم بالقرب من إفسوس. (يوجد بالعالم حوالي 157 قديس عمودي).
كما وجدت إشارة إلى قديسة عامودية، ولكن أبرز هؤلاء جميعاً كان القديس “دانيال العمودي” الذي كان أحد تجار القسطنطينية الأغنياء فترك تجارته ودخل سلك الرهبنة وظل يتدرج فيها حتى نال خطوة كبيرة عند الإمبراطور “ليو” والإمبراطور “زينون” فطالبهم ببناء كنيسة كبيرة تخليداً للقديس سمعان. فبدأ المشروع في عهد الإمبراطور “ليو” ولكنه توفي قبل أن يتحقق فتولى الإمبراطور “زينون” تحقيقه. وبدئ بالعمل في بناء الكنيسة عام 476 م وأنجز في عام 490 م أي انه استمر العمل حوالي 14 م.
بنيت الكنيسة على شكل صليب يتوسطه العمود الذي كان يعيش فوقه القديس سمعان. وفي نهاية القرن الخامس أقيمت بعض الأبنية حول الكنيسة سخرت لخدمتها ومن أهمها بناء المعمودية وبعض المنازل لتكون سكناً للرهبان وطلاب العلم. وفي الفترة مابين 528-526 م التي سبقت الزلزال تطورت المنشآت ونمت. وحول هذا التاريخ ضرب سوريا الشمالية زلزال مدمر ألحق أضراراً كبيرة في المدن الهامة كحلب وأنطاكية وسلوقيا كما ألحق أضراراً بالغة بكنيسة سمعان الكبرى. عندما فتح العرب المسلمون سورية أبقوا الكنيسة الكبرى والدير بيد المؤمنين المسيحين كما أبقوا الكنائس والكاتدرائيات بيد أصحابها في حلب والرصافة ودمشق والقدس وغيرها.
ولكن عندما ضعفت الدولة العربية وتمزقت استطاع البيزنطيون العودة إلى اغتصاب كنيسة سمعان وحصنوها بالأسوار وبذلك تحولت إلى قلعة منيعة ومنذ ذلك الوقت أصبحت تعرف باسم “قلعة سمعان”.
خلال هذه الفترة أجريت بعض الترميمات حيث رصفت الكنيسة بالفسيفساء وتشير الكتابة التي وجدت عليها أن الإمبراطور “باسيل الثاني” 1026-976م وأخيه “قسطنطين الثامن”
1028-976 م. قد قاما برصف الكنيسة بالفسيفساء وإجراء بعض الإضافات والإصلاحات فيها.
وفي عام 986 م تمكن الأمير الحمداني سعد الدولة ابن سيف الدولة من استعادة قلعة سمعان بعد حصار استمر 3 أيام. وفي عام 1017 م. نجح الفاطميون الذين سيطروا على سورية الشمالية وقتذاك من السيطرة على قلعة سمعان بعد أن بذلوا جهداً كبيراً في سبيل ذلك.
بعد هذا التاريخ لم يعد للقلعة أهمية عسكرية وهجرت تدريجياً، سكنها في القرن السادس عشر أحد المتنفذين الأكراد وأقام في الضلع الشرقي من الكنيسة الكبرى طابقين. كما سكن المعمودية متنفذ آخر من المناطق المجاورة، إلى أن قامت السلطات الأثرية بإفراغها والاعتناء بها.
بنيت القلعة على شكل صليب على مساحة من الأرض تقدر بحوالي 5000 م2. واجهتها الرئيسية تتألف من ثلاث أقواس تستند على أعمدة تيجانها مزينة بأوراق نبات الخرشوف وهي مائلة باتجاه الريح وهذا النوع من التزيينات النباتية مألوف في العمارة السورية في القرن السادس الميلادي. تتألف الكنيسة من أربعة أقسام يتوسطها شكل مثمن يقوم في وسطه العمود المقدس الذي كان يتعبد فيه القديس سمعان.
يتكون كل قسم من ثلاثة أروقة، رواق كبير في الوسط وآخران أقل عرضاً على الجانبين، تفصل هذه الأروقة صفان من الأعمدة، يتألف كل صف من ستة أعمدة لا تزال قواعدها منظورة.
والآن سوف نصنف أضلاع الكنيسة الكبرى بالتفصيل:
1- الضلع الجنوبي:
واجهة هذا الضلع تشكل المدخل الرئيسي للكنيسة الكبرى. تحوي هذه الواجهة أربعة أبواب يفضي إثنان منها إلى الرواق الكبير، أما البابان الآخران فيفضي كل منهما إلى رواق جانبي يقابله. ويوجد فوق بابي الرواق الأوسط جدار عال جعلت به أربعة نوافذ تعلوها زخرفة نفذت على شكل شريط بارز يتجه من الأسفل للأعلى ويدور حول الأقسام العلوية للنوافذ (مثل عين الإنسان والحاجب فوقها).
أما فيما يتعلق بالسقف فيظهر حسب تصور العالم “كرنكر” بأنه عمل على شكل جمالوني بالنسبة للرواق الأوسط.
ومائل بالنسبة للأروقة الجانبية ليسهل تصريف مياه الأمطار وبالتالي جمعها في صهاريج لتزويد القلعة بالمياه خلال أيام السنة، يرتكز السقف الجمالوني على جدران فتحت فيها نوافذ عدة لتمكين الإنارة الطبيعية من النفاذ إلى الداخل. ويوجد في هذا الضلع عشر أبواب ثلاثة منها في الجدار الشرقي ومثلها بالغربي أما الأربعة الباقية فهي بالجنوبي.
2- الضلع الشرقي:
هو أهم ضلع وأجمل جناح في الكنيسة، لقد خصص لإقامة الطقوس الدينية وهو أطول من بقية الأجنحة بـ 7 أمتار حيث طوله 32 م إضافة إلى 6 م للحنية الوسطى (الهيكل).
كانت الأرضية لهذا الجناح مرصوفة بالفسيفساء. وفي القرن السادس عشر والسابع عشر سكن هذا الجناح من قبل أحد الأغوات الأكراد وقد قضت ضرورة السكن إلى رفع قواعد الأعمدة وتوضيب المكان ليصلح لأداء الوظيفة الجديدة.
وفي هذا الجناح أربعة أبواب اثنان في الجدار الشمالي وآخران في الجدار الجنوبي. خصص الباب القريب من الحنايا في كل من الجدارين الشمالي والجنوبي لدخول الرجال أما البابان الآخران فقد خصصا لدخول النساء. أما الحنية الوسطى فقد جعل فيها خمسة نوافذ.
أما الشكل ذي الثمانية أضلاع فقد أقيم حول عمود سمعان ويعتقد أنه أول جزء بني من الكنيسة الكبرى، حيث يقوم بوظيفة الموزع لأقسام الكنيسة الأربع عبر أقواس أربعة قوس لكل ضلع.
وفي زوايا المثمن يوجد أربع منحنيات تشبه المحاريب استخدمت للصلاة في بادئ الأمر ثم فيما بعد لوضع توابيت رجال الدين المشهورين الذين عاشوا بالمنطقة وقدموا خدمات دينية هامة. وأرضية هذا المثمن مبلطة بأحجار كبيرة لازالت بقاياها موجودة وقد بلغ قطر هذا المثمن 26.67 م.
3- التحصينات:
ذكرنا أن الكنيسة الكبرى والدير تحولا إلى قلعة في القرن العاشر ميلادي. فأضيفت إليها أسوار وأبراج. فبلغ عدد الأبراج المقامة فيها 27 برجاً على السور وبتلك التحصينات أصبحت كنيسة سمعان منيعة يصعب النيل منها بسهولة.







4- الأبنية الملحقة:
عند الطرف الشرقي من الضلع الشرقي للكنيسة الكبرى وفي الزاوية الجنوبية الشرقية أقيمت كنيسة صغيرة تتألف من ثلاث أروقة أعرضها الأوسط حيث كانت لتأدية الصلاة في الأيام العادية، أما الكنيسة الكبرى فخصصت للمناسبات والأعياد وأيام الآحاد.
لابد هنا من ذكر المدافن التي نحتت في الصخر لتكون مقلعاً للحجارة ثم ما لبثت أن حولت إلى مدافن وسقفت على شكل هرمي. بأرض المدافن وعلى الجوانب يوجد تجاويف تؤدي إلى قبو كانت تجمع فيه عظام الموتى من الرهبان والقديسين بعد جمعها من النواوويس.





وفي الجهة المقابلة لكنيسة سمعان توجد المعمودية وبجانبها كنيسة. وأقيم حول المعمودية رواق طويل كان يطوف به المصلون قبل عملية التعميد وبعدها. وكان الذين يعمدون ويذهبون للكنيسة بعد تلقيهم العمادة فيشتركون في القداس ويتقبلون الأسرار المقدسة أي القربان والخمر المقدسة.